مناهج البحث اللغوي

مناهج البحث اللغوي

إن الحديث عن مناهج البحث عديدة ومتشعبة، أصبحت تشغل بال الباحثين الأكاديميين على مختلف مشاربهم واختصاصاتهم، فلا يكاد أي بحث جامعي في الوقت الراهن أن يخلو من الخضوع لمنهج معين على حسب تخصص تلك الأبحاث الجامعية. وما يهمنا في بحثنا هذا في إطار اختصاصنا هو المنهج اللغوي المقارن. 

وقبل أن نلج في عمق الموضوع بالبحث والدراسة وعما يتميز به البحث المقارن وما قدمه ويقدمه من خدمة للبحث اللغوي، يجدر بنا أن نقدم تعريفا لغويا واصطلاحيا عن تأسيس لفظة المنهج. 

وردت كلمة منهج أو (المنهج) في القرآن الكريم: “وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا “(1). 

أما إذا فتشنا عن اللفظة المذكورة (منهج) في التراث اللغوي العربي وفي المعاجم اللغوية بالتحديد، فإننا نجد جل المعاجم تتفق في تحديد لفظة (منهج) من حيث الجانب اللغوي والدلالي، ونبدأ بأقدم مصدر وقفنا عليه وثق كلمة المنهج هو: أساس البلاغة للزمخشري (ت 539 هـ) جاء عنه: “(ن هـ ج) أخذ النهج، والمنهج والمنهاج وطريق نهج، وطرق نهجة، ونهجت الطريق، بينته، وانتهجته، واستبنته، ونهج الطريق وأنهج، وأنهج: وضح، قال يزيد بن حذاق الشني: ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت منه المسالك والهدى يعتدي”(2). 

وأنهج الطريق: وضح واستبان، وصار نهجا واضحا بينا، والنهج بتسكين الهاء هو الطريق المستقيم(3). وقد عرف المعجم الوسيط المنهج بأنه الخطة المرسومة، واللفظة دلالتها محدثة، ومنه مناهج الدراسة ومناهج التعليم ونحوهما(4). 

المنهج اصطلاحا: ويعني الطريقة أو الأسلوب وفي اللغة الأجنبية الفرنسية هو (méthode). فالقصد من هذا المصطلح الطريق أو السبيل أو التقنية المستخدمة لعمل شيء محدد، أو هو العملية الإجرائية المتبعة للحصول على شيء “ما” أو موضوع “ما”. 

طالع ايضا :حروف الجر المشتركة (ما استعمل منها: اسمًا، أو فعلاً، أو كليهما)

وقد وظف المنهج على أنه التيار أو المذهب أو المدرسة، وعلى الرغم من تعدد هذه المصطلحات فهدف المنهج وغايته واحدة، هو الكشف عن الطريقة أو الأسلوب لتيار معين أو مذهب معين أو مدرسة معينة(5). 

وخلاصة القول: فإن المنهج هو الطريقة الخاصة التي تصلح لكل علم على حدة بل لكل موضوع من موضوعات هذا العلم، ويعني مجموعة القواعد العامة التي يتم وضعها بقصد الوصول إلى الحقيقة في العلم، إنه الطريقة التي يتبعها الباحث في دراسة المشكلة لاكتشاف الحقيقة، أو الوصول لتحقيق الغاية المراد الوصول إليها(6). 

والمناهج أو المذاهب أو المدارس عديدة متعددة وسنقف على أهمها بالدراسة وعلى ما قدمته من خدمات للبحث الأكاديمي الحديث والمعاصر ولا سيما في الجانب اللغوي. 

المنهج المقارن:

المنهج المقارن أقدم مناهج البحث اللغوي الحديث وبه بدأ البحث اللغوي عصر ازدهاره في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر. يتناول المنهج المقارن مجموعة لغات تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة بالدراسة المقارنة. 

عوامل ظهور المنهج المقارن أو أسباب ظهوره:

لعل أسباب ظهوره المنهج المقارن قد تعود إلى نشاط البحث اللغوي الذي عرفته أوربا بالخصوص في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وما بعدهما ومن جملة ما تم تحقيقه – في ظل الأبحاث اللغوية في خلال الفترة المذكورة – اكتشاف اللغة السنسكريتية على يد السير وليم جونز (Sir William Jones) الذي كان قاضيا في المحكمة العليا بالبنغال في سنة (1786 م) هو الذي مهد الطريق لتأسيس المنهج المقارن(7). عند قيامه بدراسة رائعة من نوعها، تمت هذه الدراسة على اللغة الهندو أوربية وقدم على إثر هذه الدراسة خلاصة نتائج ما توصل إليه في بحثه المقارن قال: “إن اللغة السنسكريتية مهما كان قدمها بنية رائعة أكمل من الإغريقية وأغنى من اللاتينية، وهي تنم عن ثقافة أرقى من ثقافة هاتين اللغتين، لكنها مع ذلك تتصل بهما بصلة وثيقة من القرابة سواء من ناحية جذور الأفعال أم من ناحية الصيغ النحوية حتى لا يمكننا أن نغزو هذه القرابة إلى مجرد الصدفة. ولا يسع أي لغوي بعد تصفحه هذه اللغات الثلاث إلا أن يعترف بأنها تتفرع من أصل مشترك زال من الوجود”(8). 

النص لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنه صور أحسن تصوير لما يربط اللغة السنسكريتية من روابط مشتركة ذات أصل واحد، وما تميزت به أو انفردت به اللغة الهندية من خصائص فردية عن أخواتها مثل اللاتينية، والإغريقية وغيرهما. من هنا اتفقت أراء الباحثين اللغويين على أن المنهج المقارن هو أقدم المناهج المعروفة لدينا اليوم، وعلى أساس هذا المنهج تم تقسيم وتحديد الفصائل اللغوية ضمن الدرس الفونولوجي. 

أهم مؤسسي علم اللغة المقارن:

سبق لنا أن أشرنا إلى أن وليام جونز (ت 1796 م) كان ممن مهدوا الطريق وهيأوا الأرضية للعلماء الذين جاؤوا من بعده لمواصلة بحوثهم اللغوية في كل الاتجاهات، وتحت تيارات متعددة ومدارس نقدية مختلفة، من بينها المذهب المقارن. وكانت اللغة السنسكريتية أساس للمقارنة ضمن اللغات الهندية الأوروبية، ومعظم الأبحاث تتفقعلى أن بداية المنهج المقارن بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر. إلا أن عبده الراجحي يقول: “إن تأسيس الدرس المقارن قد بدأ على يد “يينش” (D. Jenisch) حين أعلنت الأكاديمية الألمانية عن جائزة لمن يكتب بحثا عن أحسن وسيلة في التعبير اللغوي ؛ فكسب الجائزة هذا الأخير وأصدر في سنة (1796 م) كتابه “مقارنة وتقدير فلسفيان نقديان لأربع عشرة لغة أوربية قديمة وحديثة”(9). من هذا التاريخ تم تأسيس المذهب المقارن بأتم المعنى وكانت المدرسة الألمانية سباقة في احتوائها واحتضانها المنهج المقارن ولا ننسى لغوييها أمثال: فردريك فون شليجل (Friedrich Von Schlegel). الذي يعتبر أول من دعا إلى النحو المقارن وكتابه الذي أصدره في سنة (1808 م) بعنوان: “عن اللغة والمعرفة عند الهنود”(10). 

لقد استمرت المدرسة الألمانية تطور أبحاثها اللغوية في ظل المنهج المقارن إلى جانب المنهج التاريخي على يد ثلة من علماء اللغويين أمثال: 

1- بوپ (1791 م – 1867 م) (Franz Bopp) صاحب كتاب (القواعد المقارنة)، وما توجهه اهتمام الناس إلى هذه اللغة (السنسكريتية) والقواعد المقارنة في إبحاثة إلا دليل على مدى إرساء القواعد المقارنة وفق ما تقتضيه الدراسات الأكاديمية العلمية الحديثة. 

بوب يعتبره جورج مونن مؤسس القواعد المقارنة بدون منازع، كان صاحب معرفة واسعة بعلوم عصره اللغوية والفلسفية وتعلم الفارسية والعربية والعبرية، والسنسكريتية على يد شيزي (Chézy) الأستاذ في معهد كوليج دي فرانس (Collège de France) منذ عام (1814 م)، وهنا بباريس أنشأ بوب مذكرته: “في نظام تعريف اللغة السنسكريتية ومقارنته بالأنظمة الصرفية المعروفة في اللغات اليونانية والفارسية والجرمانية. 

استدعي بوب في سنة (1821 م) لتعليم السنسكريتية في جامعة برلين، تابع بوب أبحاثه في اللغة المقارنة طوال نصف قرن من الزمن وتقدم إلى المجمع اللغوي في برلين بخمس مذكرات على التوالي نذكر منها، التحليل المقارن بين اللغة السنكريتية واللغات التي تمت إليها بصلة القربى، (1824 م – 1831 م)، وكذلك القواعد المقارنة (1833 م  – 1852 م)”(11). 

طالع ايضا : حوالة الحق وآثارها في الفقه الإسلام و القانون المدني الكويتي

أما غريم (Jacob Grimm) (1785 م – 1863 م) صاحب كتاب (القواعد الألمانية) فهو يعد من مؤسسي المدرسة المقارنة أو النحو المقارن، فقد أسهم بعطاءاته في تأسيس المذهب المقارن بل والتاريخي، ولم يفرد له جورج مونن ترجمة كاملة تخص حياة هذا اللغوي وجهوده وأبحاثه اللغوية مثل ما فعل مع بوپ، وراموس راسك الدانماركي، أو شلايشر، بل أشار إلى هذا الرجل في عدة محطات من كتابه تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين(12). 

ما يثبت جهود جاكوب غريم في مجال البحث اللغوي المقارن جهوده للدراسات الصوتية المقارنة وما تخضع له من قوانين التحول التي تخضع لها الحروف الصحيحة في اللغة الجرمانية(13). وهو متأثر مقلد في نظر بردسن (Predersen) براموس راسك (R. Rask) ، والاقتباس ظاهر في كتاب غريم “القواعد الألمانية”، ففي طبعته الأولى (1819 م) لم يذكر غريم كلمة واحدة في علم الصوت، فحين أفرد هذه الظواهر الصوتية خمسة وتسعون وخمسمائة 595 صفحة من الطبعة الثانية (1822 م). 

وقد أشار راومر (Rowmer) في موطن آخر(14) من الكتاب المذكور، وذلك في عام (1870 م) إلى ما يدين به الألماني غريم للغوي الدانماركي، هذا دليل ثان على أن جريم قد تأثر بأستاذه راموس راسك وبخاصة في مجال الدراسات الصوتية المقارنة. ناهيك أنه كانت له جهود كبيرة في تأسيس المنهج التاريخي، بدليل قول: جورج مونن:  “لما كان بوب في سبيل إعداد القواعد المقارنة، كان غريم في الوقت نفسه يضع القواعد التاريخية للغة الألمانية، ثم راحوا يقتفون أثره فوضع دييز (Friedrich Diez) قواعد مقارنة وتاريخية معا للغات الرومية ومنذ عام (1870 م) كانت الأبحاث قد طبعت بطابع جديد(15). ويصفه محمود السعران بخالق النحو المقارن في ألمانيا(16). 

aliwahab

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *